ملا محمد مهدي النراقي

57

جامع السعادات

على نفسه حتى يقتلها ، ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب العمل الذي عمله بنفسه كما قيل في ذلك : ألم تر أن المرء طول حياته * معنى بأمر لا يزال يعالجه كدود كدود القز ينسج دائما * ويهلك غما وسط ما هو ناسجه فكل مكب على الدنيا متبع للشهوات لا يزال يقيد نفسه بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ، إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين شهواته دفعة ، فتبقى السلاسل من قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته وخلفها ، وهي تجاذبه إلى الدنيا ، ومخالب ملك الموت قد تعلقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فأهون أحواله عند الموت أن يكون مثل شخص ينشر بالمناشير ويفصل أحد جانبيه عن الآخر . فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرات نزوله في أسفل السافلين ومنعه عن أعلى عليين وجوار رب العالمين . فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله ، وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم ، إذ النار لكل محجوب معدة ، كما قال الله تعالى : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون . ثم إنهم لصالوا الجحيم " ( 44 ) . ولما انكشف لأرباب القلوب أن العبد يهلك نفسه باتباع الهوى والخوض في الدنيا إهلاك دود القز نفسه ، رفضوا الدنيا بالكلية . فنسأل الله تعالى أن يقرر في قلوبنا ما نفث في روع حبيبه ( ص ) ، حيث أوحى إليه : " أحبب ما أحببت ، فإنك مفارقه " . * * * ( الثالث ) اعتبار المرغوب فيه : أعني ما يترك لأجله . وله بهذا الاعتبار ثلاث درجات . الأولى : أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر عذاب الآخرة ، وهذا زهد الخائفين . الثانية : أن يكون ثواب الله ونعيم الجنة ، وهذا زهد الراجين . الثالثة : وهي الدرجة العليا ، ألا تكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه ، فلا يلتفت إلى الآلام ليقصد منها الخلاص ، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها ، بل كان مستغرق الهم بالله ، وهذا زهد العارفين لأنه لا يحب الله خاصة إلا من عرفه بصفاته الكمالية . فكما إن من عرف

--> ( 44 ) المطففين ، الآية : 15 - 16 .